أُفول


عزيزتي.. أنا التي أعرف، وذاتي التي أشتاق!

أكتب لك الآن من مكان تحفظينه عن ظهر قلب..

أستلقي على سريرك الخشبي الداكن، تحت نوافذك الشفافة العملاقة التي لا يمكنها أن تقف في وجه الحياة المنهمرة من الخارج! وأُحمّل رأسي بأثقاله على وسادةٍ جديدة، ابتعتُها قبل بضعة أسابيع، لأن وسادتك المعتادة اهترأَت جدًا في طريقها للبحث عنك.. وعن أحلامك!

لقد تعبت! حقًا تعبت.. تعبتُ مِنَ البحثِ عنكِ بين أماكنك التي تحبينها في هذهِ المدينة، وأصدقاؤكِ الكُثُر اللذين عرفوكِ جيدًا، والأشجار العديدة التي جلستِ تحتها ذاتَ يوم، والمقاهي الرائعة التي ترددتِ عليها، والطُرقات والأزقة والميادين، وصوت الريح وجلجلة السماء ومهابة الجبال وصياح النسور البعيدة في الأُفُق!

تعبت.. وأُدين لك بهذا الاعتراف المؤلم، كنتُ قد عَلِمت أنني سأتعب يومًا ما.. وأتوقف عن البحث!

هل آن الأوان أن أخطو سنواتٍ متأخرة عنك؟

هل هذا صوتُ اليقين أم التخبط!

يعزُّ عليّ أن أُفلِتَ يديّ، فليسَ الإفلاتُ مِن شِيَمي!

لكِنّهُ عُمُري! الورقة التي أُساوِم بها مقابل العثور عليك..

نُسَخٌ عديدة مِنّي، آثرتُ قمعها حتى أجِدك، وحيواتٌ كثيرة فُتّحَت لي أبوابُها، أعرضتُ عنها خشيةَ أن لا أجِدك أبدًا!

كم من الخسائر التي تكبدتُها، تتجاوز ذاكرتي وتغرق في نسياني!

لماذا أحبّك إلى هذهِ الدرجة؟

كيفَ قدّمتُ كلّ ثمين لأجلك؟

لماذا مشَت قدمايَ عِنوةً إلى الأمام بينما لم يتوقف رأسي من الالتفاتِ للوراء منذُ أعوام؟

آخذُ نفَسًا، وأقِف لبرهة، وأُقبّل خيالك العذب في ذهني..

شكرًا على صمودك في تلكَ السنون العِجاف، شكرًا لِطُهرِك الذي فازَ كثيرًا في معارك السواد، شكرًا لأنكِ أوصَلتِني إلى هُنا، إلى هذهِ النسخة المثيرة للانبهار.. من الجميع.. سِواي!

أنتِ امتدادٌ لما زال، لكنّكِ ترتدين الآن ثوبًا أجمل، وتنعَمين بحياةٍ أروع.. هل لأجلِ هذا لم أتعرّف إليك؟ ربما!

آمَل أن يرشدني الله الحنون إلى كلّ الطُرُق التي فاتتني، لأني أعلم يقينًا أنّك ستكونين هناك بانتظاري، بيدين مفتوحتين، وقلبٍ خفيف، وروحٍ تعيش..

تم.


رد واحد على “أُفول”

  1. لا بُد لسنون التيه العجاف أن تؤول إلى مآب.. ولا بد للسائر المُجِد في صحراء ذاته أن يجدها في نهاية المطاف 🩶

    إعجاب

أضف تعليق