تَوْق


اكتشفت مؤخرًا ـ مع أنّهُ اكتِشافٌ مُتأخِر ـ أنّ الإنسان بشكلٍ واعٍ أو غيرَ واع لا يُمكِن أن يعيش دونَ أن يتوقَ لشيء!

بمعنى أن يسعى للوصولِ إلى شيء، أن يترقّب حدوثَ شيءٍ بعينه، أن يُعلّق قلبُهُ بشيءٍ قادم!

لا أتحدّث عن الأهداف الكبرى للحياة، وخُطط العَيش طويلة الأجل، فأنا شخصِيًا لا أُجيد التعامل مع المستقبل سِوى بالطمأنينة والتفاؤل، وأجِد التخطيط الطويل مهمةً ذكوريّة لا تُريحني.

حديثي عن المُتَع الصغيرة، تِلكَ المحفوفة بالترقّب العذب الذي لا يُربِك، ولا يُثير القلق والجُفول عن أداءه باحتِراف.

بدأَت قصّة التَوق معي منذُ التاسعة تقريبًا، حينَ لم أنَم ليلةً كاملة لعِلمي أنّني في اليوم التالي سأبدأ الصف الرابع الإبتدائي ممّا يعني أنني سأتمكّن أخيرًا من استخدام قلم الحبر الأزرق الذي أحضرَهُ لي أبي في تلكَ الليلة، في دلالةٍ واضحة على طيّ صفحة الصغار كثيري الأخطاء، وبدء فصل جديد عنوانه قلم الحبر، والمُزيل الذي يجب أن يدخُل مِقلَمَتي قبل القلم أصلًا، لأنّني عمَلِيًا لم أزل من كثيري الأخطاء بالفعل.

من أحبّ الأوقات التي عايشتُ شعورَ الترقبّ فيها طوالَ عمُري، كانَت اللحظات القليلة قبلَ خروجي لأيّ مسرح، لأنّني تميّزت ـ حسبَ ظنّي ـ في الإلقاء والتقديم على المسارح منذُ طفولتي حتى الجامعة، فكانَ شعور ترقّب الحدَث لذيذًا ومهيبًا، وأيّام الاستعدادات والبروفات على المسرح قبلَه حسبَ حجمه كانت تزيد من شعوري بالرهبة، لم تكُن رهبةً مُقلِقَة، لأنّني أبرَع فيما أفعَل، بل شعورًا ممزوجًا بحماسةٍ مُفرِطة.

خلال الأعوام القليلة الماضية، بعدَ تخلّصي من الارتباط الجامعي، وانضمامي لحياة الموظفين، تغيّرت خريطة أيّامي بالكامل، وتباعدَت الأحداث التي أتوق إليها بالأشهُر، وصارَ انتظارها أقلّ حماسة، إلّا أنّها جزء أساسي من حياتي، وعمود تستقيم عليه وتتكئ.

فصرت أتوق ليوم الإجازة الأسبوعي وأجِد في هذا دافِعًا للمواصلةِ ركضًا إليه، وأتوق لاجتماع الأصدقاء الصاخب في نهاية الأسبوع ليُنسيني الأسبوعَ كُلّه، وكوب قهوتي كلّ صباح، والسَفرة القادمة لاكتشاف جزء جديد من العالم، وزيارة خالتي كلّ صيف، وذهابي المؤكد للبحر في الشتاءات الباردة، وعودتي لِسُفرة العائلة بعدَ يومٍ طويل….

لا تفقِد هذهِ الأحداث بريقَها أبدًا، بل وتطول القائمة وتتجدد بالخَوضِ في الحياةِ أكثر، وهذا هُوَ جوهرُ المُضيِّ قُدُمًا فيها، أن تشتهي روحك الوصول إلى يومٍ تتمنّاه، وتعلَم أنّكَ ستسعَد به.


رد واحد على “تَوْق”

أضف تعليق