لقاء خاص ـ جداًـ


خطَرَ لي أن أُجري مُقابلة وديّة مع شخص أودّه جداً وأحمِل لهُ في قلبي الكثير، فاختَرت أسئِلَتي بعناية فائقة وتدرّبت مراراً على نبرة صوتي في حضرته، وترتيب الأسئلة تِباعاً بطريقةٍ لا تشي بي عنده، أنّني أحاول الحصول على الكثير في لقاء واحد.

جاء الموعد المقرر، تأنّقت، تنفست بعمق، وجلست أمام هيبة حضوره، ابتسامته الدافئة التي تخفي أسنانه تبعث الطمأنينة عاجلاً في المكان، ونظّارتُهُ الرفيعة التي يضعها دائما على طرف أنفه كي يقرأ أو يتفحص الوجوه، كانَت هُنا أيضاً..

تأملتُ المُحيط حولنا لثوانٍ قبلَ أن أشرَعَ في الكلام، وجدتُ الخشَب الدافئ يكسو الجُدران والأرضيّة، مكانٌ خالٍ من كلّ شيء سِوانا، وأسئلتي التي تتحرّق حماسةً للتحليق من ورقتي..

بدأت.. أنا سعيدة اليوم، شكراً لوقتك مقدماً! أعلَمُ أنّكَ غارِقٌ في نفسِك، وباتَ من الصعبِ عليكِ إجابةُ الأسئلة المتكررة، لكنني أتوق للحديثِ معكَ حقاً.. كنتُ أتحدّث بهذهِ الكلمات وهُوَ سارِحٌ يتأمّلُ وجهي في صمت، مُتّكِئاً بذَقنِهِ على يديهِ المتشابكتين، منتظِراً إيّايَ إنهاءَ كلامي كي أُفسِحَ لهُ المجالَ أخيراً ليتكلم.

قال ـ وصوتُ الصمت يتحشرج في حلقه ـ من الخيرِ أن نتأنّقَ مع الآخرين ونعطيهم ما أرادوا ما دُمنا نستطيع، وما دامَ مطلوبهم في أيدينا، نُعطيهِ بغِنًى، لا إكراه. تفضلي، واشعُري بالارتياح من فضلك.

أخذَتني الحماسةُ أكثر أن أُسهِبَ في شرح سؤالي الأول، ثمّ تذكرت أنّهُ يحِب الاختصار، لأن الحياة قصيرة كما يقول دائماً، فأردَفتُ قائلةً بكلّ هدوء…. من أنت؟

ابتسَمَ لثانية ثمّ قال ـ وهُوَ يعبَث بقلمهِ بين يديه ـ : أنا قطعةٌ من العجينِ الطريّ التي ألقاها الله في أرضٍ يباس، لم تكُن يباساً بالمعنى الحرفي، بل الضِمنيُّ المعتاد، لكنّهُ أودَعَ في قطعةِ العجينِ هذهِ صلابةً أوصَلَتها إلى هُنا اليوم، وهِيَ أكثَرُ طراوةً وليناً..

أنا خليطٌ من كلّ شيء مرّ بي أو مررتُ به، فأنا عجين، طبيعتي هي الإلتصاقُ والإلتقاط.

لمِحتُهُ وقَد تقدّمَ بجسدِهِ إلى الأمام، مما أوحى لي باهتِمامه بالحديث، فأسرعت بسؤالي الثاني وقلت: هل أحببتَ حياتكَ حتى الآن؟ قالَ بِلا تردد: جداً! ألا يبدو عليّ ذلك؟

فقلت: علِمتُ أنّكَ عِشتَ حياةً أغلَبُها قسوة، بشكلٍ لا يُطاق! هذهِ أيضاً أحببتَها؟

قالَ هذهِ أكثَرُها مكانةً في قلبي، هيَ ما صنَعَني وهذّبَني .. جعَلتني القسوة أَفِرّ إلى اللين.

شعَرتُ لوهلة بِثِقَل طريقتي في السؤال فقررت أن أتحدثَ عن نفسي كي تخِف وطأة الجديّة قليلاً

قلت: أعتقد أن اللين يخلُق اللين، أما القسوة فقد كانت مبرراً مقبولاً لِحَنَق الكثيرين في كِبَرِهِم، عومِلتُ باللينِ طِوالَ عمُري، حتى صارَ صِبغَتي وتكويني.

قال: لَم أُعامَل بلين، لكنني اخترته، اخترتُ اللينَ لأنه عافاني مما اختَلَجَ صدري، كانَ سهلاً عذباً ولا يستهلكني من نفسي ما تستهلِكُهُ القسوة.

صمَتنا لثوانٍ معدودة، قبلَ أن ينطِلَقَ صوتي: ما أكثرَ شيءٍ تاقَت لهُ نفسك طِوالَ حياتك؟

قال: أن أطيرَ بينما خيطٌ مربوطٌ برِجلي..

قلت: كيف؟

قال: أحببتُ الحياةَ بكلّ جوارِحي، وتفتّحَت لي أبوابُها في وقتٍ مبكرٍ من عمُري، ركَضتُ بِحماسَةٍ في كُلّ اتجاه، وفتَحتُ صدري لكلّ نسيمٍ وريح، أرَدتُ للحياةِ أن تعبُرَ مِن خِلالي، لا أن أمرّ عليها بِثِقَلِ المثقَلين..

لكنني شعرتُ في مرحلةٍ باكِرةٍ أيضاً أنني أحتاجُ إلى وِثاق، يربِطني بالأرضِ والحياةِ أكثر، فتزوّجتُ بامرأةٍ اختَرتُها بنفسي، وأنجبنا من الأطفال ما أشعَرَنا بأننا أحياء، وكامِلون، لا يشوبُنا نقصٌ ولا تفوتُنا سعادة.

هُنا فقط، شعرتُ باكتِمال العطاء وتمام المِنّة، ومنذُ ذلكَ الحين حتى اليوم، وأنا ذاكَ الرَجُل القويّ المكتمِل، الذي لا يستطيع أن يطيرَ نحوَ شيءٍ في حياته، دونَ أن يتأكد من أنّ خيطاً متيناً يربِطهُ بالأرض..

مذهل! كيفَ وصَلَني المعنى الذي يقصده بوضوحٍ تام، رغمَ حديثِهِ المُتواري..

استطردت: ماذا تقرأ؟ وكيفَ تقرأ؟

قال: وقد ظهرَ الحب في عينيه لأنّهُ أخيراً سيُعرّج على شيءٍ يُثيرُ اهتمامه.. أقرأ التاريخ والأدب، لكنّ التاريخَ طالما أسَرَني وغيّرَني، أحببتُ العصور القديمة وطريقة عيشهم وسبُل تفكيرهم واتخاذهم للقرارات، أحببتُ أصوات المعارك وصهيل الخيول وروائح الدماء واختراع آلات الحرب القاهرة، أحببت خُطَط الاغتيالات وممرات الهروب، حلمت بأشكال القِلاع التي قرأت عنها، وعزمتُ على زيارتها يوماً..

أما الأدب فقد أحببتُ الأدباء الكِبار، قرأت الشعر وحفظتُهُ بكثرة منذُ نعومة أظفاري، فسرت الأبيات واحداً تلو الآخر واستعذبتُ المعاني وألقَيتُ ما أحفظ في كلّ جلسة سمَر، بينَ الأصدقاء والمقربين.

تنهدت، ثم صمتت.. لم يبقى في جعبتي في تلك اللحظة سؤال آخر..

قلتُ له: أشعُرُ أنني حصَلتُ على ما أريد، لكن لو أمهَلَني عظيمُ كرمِك أن أسألَ شيئاً أخيراً.. ماذا تتمنى الآن وقد جاوَزتَ أعتابَ الخمسين من عمرك؟

قال: أن أرى نفسي من جديد من خِلالِ أبنائي، أن يُفسِحوا لي فُسحةً في حياتهِم وجميلِ أيامِهِم كي نتشارَكَها بعنفوانِ شبابهم وحكمةِ انتِصافِ عمُري.

أخَذَني الصمتُ قليلاً قبلَ أن أختِم..

قلتُ له: ليسَت هذهِ المرّة الأولى لنا في التقاطِ أطرافِ الكلامِ والتفنن في إبهاري، ولَن تكونَ الأخيرة بالتأكيد، سأتركك الآن لتلتقِطَ أنفاسَ صبرك من جديد، استعداداً للقائِنا القادِم،، شكراً يا أبي ❤..


3 ردود على “لقاء خاص ـ جداًـ”

اترك رداً على noo85q إلغاء الرد