
مقطوعة أُوصي بتشغيلها أثناء القراءة ♫
تركتُ نفسي مُمددةً على عشب الحديقة! في منزلنا الذي يبعد عنّي أكثر من ألف كيلو.. بينما جسدي قد ارتحل عن الحديقة منذُ زمن، وعاد لدوامة حياته ومسؤولياته التي اختارها بنفسه، وارتباطاته التي يجب أن يثبت من خلالها أنه فردٌ بالغ يمكن الاعتماد عليه، بينما هو حقيقةً يتمنّى في كلّ لحظة أن يعودَ إلى عشب الحديقة!
لم أجرّب يومًا أن أكون أحدًا غيري، ولم أُضطر لانتحال تفاصيل لا تشبهني، عشتُ حياتي بسلاسة.. تمامًا كما أحب، فانسابَت أيامي بسهولة، لا أقصد بالطبع حياةً لا تشوبها شائبة! على العكس فقد عشت المصائب والانهيارات والضيق والفرح والنشوة كما يحدث مع الكل، لكنني كنتُ أُشبِهُني!
كنتُ أتداعى بكل حرية كجِدارٍ ضعيف إذا وقعت الكارثة، وأنفجر بالبكاء ـ في أي مكان ـ إذا شعرت بضرورته، وأستشيطُ غضبًا إذا أخطأ أحدٌ بحقّي، كنتُ أمتنع عن الطعام إذا حزنت، وأُسرِف في تناوله إذا اجتاحني السخط، كنت أرقصُ لساعات في صخبٍ مزعج لتفريغ مشاعري، وأنعزل لساعاتٍ أخرى كي أصمُت ويصمت الكون من حولي، كنتُ أفرح بأدنى سبب وأتمايَل مع كلّ أغنية عذبة، كنتُ أشعر أنّ الكون قد خُلِقَ لي وحدي، ويدور فقط لأجلي!
كانت لي طقوسي في التعامل مع كلّ ما يحدث، كنتُ أنا! لم أخطط لشيء ،ولم أتعمّد ردات فعلي تجاه الأحداث، كانَت حياةً خفيفة.
أمّا اليوم.. ولأسبابٍ لا أعرفها! حقًا لا أعرفها..
فإنّني أبحثُ عن نفسي في كلّ مكان، وأحاولُ تذكرّها بكلّ طريقة، وأرفضُ أي نصيحة تحاول إقناعي أن أرضى بنسختي الأخيرة، التي نتجَت عن ظروفي المستحدثة، لأنّ ما أفقده هو جوهري ونفسي، ذُبتُ في كياناتٍ كثيرة، واختفيتُ في أدواري الجديدة..
ليسَت قضيّتي هي نسختي الجديدة، إطلاقًا! لأنّ جوهرَ الوعي والتقدّم في الحياة هو أن أكون مرتاحة مع نُسَخي الجديدة التي سعَيتُ لأجلها، فلماذا لا أشعر بالارتياح!
أصبح ثوب الوقار ورباطة الجأش هو ثوبي، مع أنّهُ بالنسبةِ لي ثوبٌ ثقيلٌ مُسبَل! صار تواصُلي أقلّ مع من أُحِب، ودوائر علاقاتي التي تعبت سنين من عمري لترتيب الناس فيها وتقسيمهم والاستزادةِ منهم.. أصبَحَت دائرتين فقط! في أغلب الأحيان.
حتى ردّات فعلي تجاه أي شيء تافه أو ذو أهميّة، أصبحتُ أمضغها مرارًا قبلَ أن أطلقها.. فتأتي مثالية رائعة، تضع النقاط على الحروف وتجيب على كل الأسئلة وتُسكِت كلّ الجدَل!
إنّها ردات فعل بائسة ومصطنعة وتدّعي التعقّل والاختباء وراء الحقيقة!
أريد أن أرتكِب الأخطاء من جديد دونَ خوف، أريد أن أكشِفَ عن نفسي دونَ تردد! أريد أن أُحطّم كلّ قالب صُنِعَ لأجلي أو اختلقتهُ لنفسي، أريد أن أغضب في مواضِع الغضب بكلّ جموح، وأبكي متى شئت بكلّ كياني، أريد أن أحتجّ على تعَبي إذا تعبت، وأنهار تمامًا إذا احتجت..
أريد أن أختار ما أحب وأكره دونَ أن أكترِثَ لأحد، دونَ أن يعبُر خيالي طيفٌ يذكرني بوجوده، أريد أن أثور بمشاعري ببساطة تجاه كلّ شيء، دونَ أن أخاف مِن أن تثير كلماتي حنقَ أحد! أريد أن أحلمَ بحريّة.. كفردٍ واحدٍ أوحَد، أريد أن أفكّر بوضوح لا تشوبه الشكوك والتردد.. أريد أن أعودَ إلى عشب الحديقة..
كتبتُ هذهِ المقالة على مدى ثلاثة أيام، وترددت في نشرها كثيرًا، وبحثت في زوايا مخّي عن خاتمةٍ تليقُ بها.. ولم أجد..
شكرًا لكلّ من وصلَ إلى هُنا.. للناجينَ اللذين شعروا بشيٍء كهذا من قبل، وللآخرين اللذين ينسجمونَ مع حيواتهم بشكلٍ رائع.
شكرًا من عُمقِ قلبي..