شمسٌ وُعزلة!


أكتُب هذهِ التدوينة في بقعةٍ مميزة، على حافّةِ هضبةٍ مرتفعة تُطِل على وادٍ واسع، يحتضِن اكتظاظًا خصبًا من مزارع النخيل الممتدّة..

تتخلل الوادي رؤوس الهِضاب الأخرى في مشهدٍ أعتقِد أنّهُ ساحر لمن يراهُ من السماء، خصوصًا مع أسراب العصافير العائدة إلى أعشاشها في هذا الوقت من العشيّ، إيذانًا بانتهاءِ يومِها الذي بدأ عندي للتوّ.

لم يرُق لي المشهَد الحضَري للطريق المعبّدة بين النخيل، والجسر العالي المتأرجِح في الأفق فوقَ المزارِع، شعرتُ وكأنّهُ تدخلٌ صارِخ للإنسان في هذهِ اللوحةِ البديعة!

ونسمات الهواء الآن؟ آهٍ ما أروعها! ليتها تبقى بهذا الجمال طوال العام، يُشاطِرني الملايين من سُكّان الرياض الأمنية ذاتها.

أتيتُ اليوم إلى هُنا للبحثِ عنّي، خرجتُ على عجَل، أحمِل حقيبتين متأكدة من محتواها، إحداها لجوالي وأغراضي المتناثرة التي لا تنتهي، والأخرى لكتاب الأصل لدان براون الذي لا زلت أقرأه منذ شهرين، وجهازي كي أكتب هذهِ التدوينة، ودفتري المُزيّن برسوم آليس في بلاد العجائب.

لا يبحث الناس عن أنفسهم عادةً بشكلٍ واعٍ! إذ لا يعتقدونَ بضياعهم أصلًا.. وهذهِ ليسَت مشكلة بنظري، فالمُرتاح المتصالح مع ضياعه، أهدأ بالًا من الباحِث عن نفسه في فوضى الأحداث من حوله.

لا أعتقد أنني وحدي اليوم، رغمَ أنّ هذهِ هيَ رغبتي اليوم خاصةً، لكنّ معيَ صديقةٌ قديمة، حميمَةٌ ودافئة، رافقَتني منذٌ عهدٍ بعيد، وضلّت رقيقةً حنونة كعادتها معي، رفيقتي الشمس، المحترقة المتوهجة البرّاقة، المعطاءة الكريمة اللطيفة، لا أكترِث لفعائِلِها بي صيفًا، لأنّها قد قدّمت ليَ الكثيرَ دونه، لا أتذكّر لحظاتٍ أكثرَ عذوبةً من لحظات خلوتي والشمس، في أيّ مكان، لحسنِ حظي أنني أجدها في كلّ مكان، أشعُر بخيوطها تلامس وجهي، ومنابِت شعري، أحفَظُ رائحتها عن ظهرِ قلب، لها رائحة مميزة عندما تُعانق الوسائد في غرفة المعيشة خلال فترة الظهيرة، بينما لها رائحة أخرى عندما تُجفف الملابس وأغطية السرير على الحبل صباحًا، ورائحتها الأجمل حينَ تنسكِب على أرضٍ عانقها المطر للتوّ!

أتعافى بالشمس بشكلٍ كامل، من أيّ شيء، وفي أي وقت.. على قمم الجبال، وبينَ كثبان الصحاري، وعلى عتبة منزلي، وفي حديقة أمي.


رد واحد على “شمسٌ وُعزلة!”

أضف تعليق