مُتعة أن تكون بَذرة!


مرحباً..

أنا السيدة بَذرة..

فتحتُ عيني لأوّل مرّة فوجدتُ نفسي عالقةً في مكانٍ موحِلٍ رطب! وحولي مخلوقات هائلة ترتفع فوق رأسي ارتفاعًا هائل، وتتمايل في حركةٍ راقصة لم أفهم معناها، بينما تُحدِقُ بي!

تحسستُ نفسي لأعرِفَ من أنا، وماذا أفعلُ هنا فقَد ظننتُ لوهلة أنني سيدةُ الحفل الصاخبِ حولي، وأحببتُ أن أنظُرَ إليّ كما تفعل كلّ الأشياء في تلك اللحظة، فوجدتُ أنني شيءٌ ضئيل، تافه، وضعيف! لماذا ينظُرون إليّ بإجلال هكذا، وكأننا في حفلٍ تتويجٍ لن ينتهي؟ هل يرونَ ضئالَتي أصلاً؟

جذَبتُ جسَدي بِتثاقُل لأحررهُ من التصاق الوحل الذي يُثقِل حركَتي، ومشيتُ رُوَيداً علّني أعرف شيئًا عن هذا المكان، وعن هؤلاء المُحدّقين!

بعدَ بُرهةٍ من الزحفِ المتثاقِل صُعِقتُ!

فقد وجدتُ نفسي فجأةً أسبَحُ في الهواء!!! لم أفعل ذلك عمداً! فكرتُ في الأمرِ فقط.. فحَدَث!! تسارَعَت أنفاسي وأنا أرى أنني أُحلّق فوقَ رؤوسِ المخلوقاتِ الضخمة التي كنتُ أهابَ ضخامتها أصلاً! والتي تبيّنَ لي لاحِقاً أنّها ليسَت سِوى أشجار طويلة كانت بدايتها مِثلي تماماً، بذرة! ولمحتُ في الأسفل ملايينَ البذورِ العالقةِ في الطين.

خِفتُ منّ كُلّ شيء، وطارَت بي ريشاتي البيضاء الخفيفة التي كانت وسيلتي للتنقل في أنحاء المعمورة، على امتداد ممرات الحياة كلّها، وفهِمتُ باكِرًا أنّ مهمّتي للنجاةِ بنفسي هيَ أن أجِدَ لنفسي أرضًا خصبةً للنموّ، أرضٌ لا تطأها الأقدام فتُحطِمَني، ولا أسرابُ الهوامّ فتلتهمني.

مرَرتُ بكلّ الفصول، كِدتُ أن أذوب وأختفي تحتَ لهيب شمسِ الصيف الحارقة على قمم الجبال، وتراقصتُ مع فراشات الربيع فوقَ أغصان العرعر العاطِر، وعانيتُ الجفاف القاسي في خريف الأيّام الصفراء، ولحِقَني التجمّد شهورًا أخرى بينَ موجات الضباب الكثيف! إلّا أنني عِشتُ.

عدتُ إلى الأرض الأولى التي اختارتني، وربما أنني اخترتُها أيضًا، من يعلم!

كانت أرضًا تُخبئ بذورها جيّدًا، وترعاها بشكلٍ رائع، كبُرتُ فيها بشكلٍ مذهل! بينَ الأشجار التي كانت تعرِفني حق المعرفة، أصبَحتُ بينهم شجرة! أحاطتني أشجاري الصديقة بالعنايةِ والحب والحماية طوالَ الوقت، رغم أنّ بعضها قد فارَقَ الحياةَ في مشهدٍ حزينٍ مهيب! إلّا أنّها ضلّت واقِفةً حاضِرة.

تكبُرُ الشجرة وتتفرّع، وتحيا حولها الأشجار وتموت، وتُراوِدُها الشكوك ويُطمئِنُها اليقين، إلّا أنّ الذكرى التي تراودُها دائمًا بأنّها في الأصلِ بذرة، يُعطيها منَ الخِفّةِ ما يكفيها للاستمرار في الإيراق بعدَ كُلِّ فصلٍ عاصِف.

أن تبقى البذرة خضراءَ يانِعة، تنبُتُ في كُلّ أرض وتُعطي في كُلّ فصل.. آمين.


رد واحد على “مُتعة أن تكون بَذرة!”

أضف تعليق