انتِماء


اعتقدت طِوال عمُري أنّ الانتماء شعورٌ مفروغ منه! تشعُر بهِ كلّ المخلوقات في الوجود، لأنهُ لا يُعقَل – بالنسبة لي على الأقل – أن لا يكون للكائن انتماء!

ثُمّ كَبُرت، ووجدت أن الكثيرين يختارون أصلاً أن لا ينتمونَ إلى شيء، أو وطَن، أو أرض، أو عائلة، أو قلب!

تخيلت كوني أحيا بِلا انتِماء لأي شئ، ووجدت أن هذا مفهوم يرتبط بالحريّة، من بعيد، بعيدٍ جداً، ربما كانَ هذا هُوَ دافع من اختاروا المُضِيّ خِفافاً بِلا انتماء، وربما أيضاً أنّ فهمهم للانتماء هُوَ أن ينتمونَ إلى ما يُشبههم تماماً، ولَم يجِدوه، فكانَ خيارهم الوحيد أن لا ينتمون.

أمّا أنا، فأرى أنّ الانتِماء لهُ عدد لا محدود من الصور والأشكال التي تخدِم كلّ خلقِه، منذُ بزوغ فجر الحياة حتى ساعة مغيبها.

كيف؟

أنا مثلاً – بما أنني أعرَفُ الناسِ بأنا – أبحث عن الانتماء في كلّ يوم من حياتي، تخيّل عدد الأشياء التي أنتمي لها! أنا لا أستطيع العيش بلا انتماء إلى شئ، بل وأنّ فكرة الانتماء هيَ أحد أعمدة حياتي التي لا أستقيم دونها، لن أتحدّث عن انتماء طفولتي ومراهقَتي لأنهُ من البديهي أن يكون والدايَ انتمائي في تلك المرحلة من عمري، بلِ المرحلة التي تخرج فيها اللبؤة الصغيرة من البيت لاستكشاف العالم.

ماهيَ فكرة الانتماء أصلاً؟

في نظَري، أن أنتمي، يعني أن أستَنِد، أن أعود، أن أُعرّف نفسي، الانتماء هُوَ هويتي، هُو بطاقتي التي أشُق بها الحياة غيرَ مُتناسِية من أنا، وإلى ماذا وأينَ أنتمي.

أنتمي للأرض التي أُحِب، ليسَ بالضرورة الأرض التي عشت بِها، يكفي أن تكونَ أرضاً أُحِبها كي أنتمي لها، قد أكون وجدتها، وقد تطأها قدمي في قادم الأيام..

أنتمي لعائلتي الصغيرة الكبيرة، وأصواتهم وأحاديثهم وحنانهم، أنتمي لحديقة المنزل التي قضَيت فيها ساعات طويلة مُمددة تحت أشعة الشمس، وظِلال الطيور وأصواتها، ورائحة العشب الندي، أنتمي لحفلات الأصدقاء السعيدة، ليسَت كلها بالطبع، إنما ما أحببتُ منها وعَلِقَ في ذاكرة شعوري..

أنتمي لكلّ ليلة هادئة قضيتها مع نفسي في تأملٍ عميق لِلّا شئ، أنتمي لكلّ أغنية أو معزوفة رائعة دمعت عيني من جمالها، أنتمي لكلّ لحظة صامتة سرَحتُ فيها في الفراغ..

أنتمي لتلك الليلة وسماءها الصافية المرصعة باللآلئ بينما مقطوعة فاخرة تصدح في هدوء الجزيرة، أنتمي للقلب الحاني الذي قاسَمَني قلبي وروحي.. ❥

أنتمي لقدرتي على الكتابة والتعبير، أنتمي لكلّ الأماكن التي زرتها وأحببتها، أنتمي لكلّ المواقف والتجارب التي مررت بها، أنتمي لكلّ من يمكنني الحديث معهُ عن كلّ شئ وأيّ شئ، أنتمي لكلّ من أستطيع أن أكون حقيقية معه، بلا أقنعة ولا طبقات.

الانتماء فكرة واسعة، ومُطَمئِنة، وحتمٌ وضرورة.


أضف تعليق