
السادس من يناير، نحيا في الرياض منذُ أسبوعاً ونيّف، أياماً تُذكرنا أننا جزء من الكوكب في هذا الوقت من العام، على خِلاف العادة المُعتادة!
تقرر قُطعان الغيوم أن تتوقف هذا العام فوق الرياضِ ملِيّاً لمناقشة مشاكلها المتراكمة منذُ الشتاء الماضي، لتتساقط أحاديثهم المُطوّلة على رؤوسنا ومظلّاتنا وملابسنا وسياراتنا، وتتراكم في أطراف الشوارع وتحتَ الجسور وبينَ شقوق الأرصفة وأسطُح المنازَل، تتساقط أحاديثهم هذا العام بشكلٍ صارِخٍ فاضِح! بشكلٍ يوشِكُ أن يتشكّل في سطورٍ على واجهات الأبنية!
حينَ قال بدر السيّاب : ” أتعلمين أيُّ حُزنٍ يبعث المطر ؟ ” في قصيدته الشهيرة أنشودة المطر، تذكرت أنّ ثُلّتي من الشفّافين اللذين يشعرون بإفراط مثلي، هُم من يُصبِحون الشعراء والكُتّاب والرُواة والرسّامين والموسيقيين، لا يستطيع الشفّافون مقاومة تفريغ الشعور، لأن عدَم تفريغه يعني بكلّ بساطة.. الغرَق!
رسمَ فان كوخ عشرات اللوحات أثناءَ إقامته في مصحة سانت بول، كانت كلها للمشهد الصغير الذي يراه من نافذته المُطلّة على حقلٍ صغير مُسوّر بجدران عالية، أسمى لوحاتِهِ هذهِ كلّها [ La Pluie ] ، أي المطر.. كان المطر هُوَ سيد المشهد الثابت الرديء كلّ يوم، لكن كانَ المطَر يُغيّر الألوان، والاتجاهات، ويُنبِت الحشائش الجديدة، ويغسِل الجدار القديم، وقلبَ فان كوخ.
أُحِب المطر، رغمَ ارتباكي الدائم بصحبته، وشعوري بهيبة حضوره، لكنّهُ أرضٌ خِصبة للخيال، واللعب، والتذكُّر، والقفز، والبَلل .
شكراً للمطر، والدفء، والشوكولا الساخنة، والموسيقى، وكلّ المشهد الحيّ..