أفكار منسِيّة


بعد التحاقي مؤخراً بشركة دعاية إبداعية، تنبّهت باكراً لتقديرهم الشديد لأفكارهم! واهتمامهم بها حتى لو كانت لا تخدِم الحدَث أو المشروع الذي طُرِحت خلال مناقشته.

وجدت أنّ لكلٍ منهم مكانهُ الخاص الذي يحتفظ فيه بأفكاره وشذرات مخيلته التي تزوره كالبرق بينَ الفينَةِ والأخرى، فيهلَعُ مسرِعاً للإمساكِ بها لأنّ طبيعتها المتبخِرة تجعلها تطير سريعاً.. فهِيَ في الأخير فكرة! ليسَت أكثر من إشارة عصبية لمعَت فجأة قبلَ أن تخبو فجأةً أيضاً ..

منهم من يحفظ أفكاره في روابط، ومنهم من يجمعها في ملاحظات الجوال تحت اسم ” صندوق الأفكار”، ومنهم من يحتفظ بدفتر صغير في جيبه طوال اليوم ليُحسِن القبض على الفكرة حينَ تأتي..

استغربت في البداية من مبالغتهم في تدوينها أو حفظها بهذهِ العناية، لكن بعدَ أن دخلت في صلب العمل اليومي وجلسات العصف الذهني، ومُحاولاتي للكتابة بصفتي كاتبة إبداعية، وجدت أنّ الأفكار فعلاً زائرٌ عجول، عجولٌ جداً! لدرجة أن الفكرة تأتي خلال انطلاقي بالكلام ثم تختفي فجأة لتتركني أعاود تذكرها بصعوبة شديدة.

قادَني كُلُّ هذا إلى تذكر طفولتي ومُراهَقَتي! كم من الأفكار المذهلة راوَدتني ولَم آبَه بِها، دماغي النشِط والخيالي جداً في تلك المرحلة العمرية كان يسمح بتدفق الأفكار المجنونة على مدار اليوم، لكنّ قليلاً ما كُنتُ أحكيها لأحدهم.

لازالَت إحداها عالقة في مخيلتي إلى اليوم، تخيلت دائماً أن أصنع فيلم قصير يصوّر حياة عائلة من المخلوقات الغريبة اللطيفة التي تعيش أيامها ومغامراتها داخل منزلها وخارجه، وأحاديثهم اليومية بلغتهم التي لن نفهمها لكننا سنفهم الأحداث بالتأكيد، لنجد في نهاية الفيلم مع ابتعاد التصوير عنهم أنّهم يقضون حياتهم في ثنية قميص، تحت أحد أزراره، وكيفَ أنهم يحصلون على طعامهم ومؤونة عيشهم ف هذا المكان الذي اختاروه.

صندوق الأفكار هُوَ بحد بذاته فكرة ناجحة، أياً كان مجال عملك أو ما تفعله في حياتك، الفكرة التي لن تعمل اليوم، ستعمل غداً بالتأكيد، لكنّها لن تُعاوِد الحضور إلى عقلك ثانيةً، فاغتَنِم ظهور الأفكار في رأسك دائماً واحتفظ بها للأيام التي يُصبِحُ كلّ شيء يشير باتجاه هذه الفكرة..

ربما أنّ أفكارك هيَ هدايا عقلك التي يُلقي بها إليك أحياناً كلّما كانَ في مزاجٍ جيد.. اقبَل الهدايا وخبئها إلى ذلكَ الحين..


أضف تعليق