
مضى عليّ وقت طويل و أنا أستبعد فكرة أن جائحة كورونا قد طالتني بتأثيرها ، خصوصاً و أنني لم أُصب بها ولله الحمد ، إن كانَ لإصابتي بها معنى قد يصلني روحياً و نفسياً ..
استمتعت بفترات الحظر جداً ، و قضيت الأيام مابين كتبي و دفاتري ، و تأملي كل يوم بينما تلفح الشمس وجهي في هدوء ، و عائلتي التي كان يأخذني عملي منهم لساعات طويلة ، لم أشعر بثِقَل الوقت و لم يداهمني الملل ! أذكر أنها كانت من أجمل أيامي و أكثرها سكون .
لكن اليوم و بعدَ عامين من الجائحة ، أيقنت بعدَ طول إنكار .. أنني تضررت ، بطريقةٍ ما ! أنا قبل الجائحة ، ليست أنا الآن ..
لماذا يستبعد الإنسان دائماً إحتمالية تأثره بالظروف المحيطة به و يعتقد أنهُ واعٍ بشكل كامل لعقله و تجاويف فكره ؟ ربما لأن التغيير في داخله لا يظهر فجأة ، بل يتراكم على مدى أشهر أو سنوات ليجد نفسَهُ يوماً شخصاً لم يعد يعرفه !
لاحظت أنني لستُ وحدي في هذا الفضاء الواسع ، الكثيرين يشعرون بأن شيئاً ما حدث ولا يستطيعون تمييزهُ حقآً أو وصفه بدقة !
رغم شعوري العارم دائماً في الرغبة بالاختباء و عدم مشاركة حقيقتي و مشاعري بكل أنواعها مع العامة ، إلاّ أنني سأحاول وصفها كما هي ، فكم من المرات فهمتُ نفسي عبرَ الآخرين ! و كم من المرات وجدتُ إنفراج بؤسي بين كلمات أحدهم في بودكاست أو كتاب صوتي ! و كم مرّةً بكيتُ فرحاً حينَ علمت أن أحدهم يفهم ما أشعر به .. ! ” ما ترسلهُ للكون .. يعود إليك “
هناك .. في العمق ، بينما تسير حياتك في الخارج بشكلٍ مذهل .. العمقُ فارغ ! كأنّهُ كان مُضاء و مُشِع ، و انقطَعَ عنهُ التيار في مرحلةٍ ما ، لا تتذكرها ولا تعلم متى حدثَ ذلك بالضبط ، لكنك حتماً تشعر به .
تتثاقل الخطوات في كل صوب ، و تفقد استمتاعك بخلواتك القصيرة مع نفسك ، و طقوسك التي كانت تسعدك ، و الأشياء الصغيرة المهمة في دائرة حياتك لم يعد لها مكانها في داخلك ! تلكَ البهجة الخفية المضيئة في أعماقك بالفطرة ، تتلاشى !
لستَ حزيناً ، و لستَ مبتهجاً أيضاً كعادتك !
شعور الحب بعد اجتماع الأصدقاء لم يعُد هائجاً كسابق عهده ، رغبتك القوية في التقاط صورة لمكان جميل اختفت ، تباهيك بملابسك الجديدة لم يعد لهُ معنى ، حفظ الذكريات و تجميع التذكارات لم يعد مهماً ، غوصك في كتاب تحبه لمدة ساعات لم يعد سهلاً أبداً ، حرصك على الاجتماعات العائلية و العلاقات التي كنت تسارع لها .. يختفي !
كلّ هذهِ الشذرات الصغيرة يمكن أن تتجاوزها بطريقةٍ ما .. إلاّ أن الأسئلة الكبيرة لا تنفك تطاردك في كل لحظة !
لماذا أشعر بهذا ؟ ما هذا الشعور أصلاً ؟ هل هذا هو النضج ؟ هل هيَ فقط غيوم كثيفة تحول دون رؤيتي لسمائي الزرقاء ؟ من أين أتت و كيفَ أتخلص منها ؟
ما هدفي في حياتي ؟ لماذا خُلقت ؟ وماذا أريد حقاً ؟ هل ما ترغبه روحي بشدة هو رسالتي في الحياة ؟ ….
الأفراد المفعمين بالحياة ، المقبلين عليها دائماً ، يستنكرون هذا الانطفاء فوراً ، تلمحهُ دواخلهم سريعاً ، و ترفضه ..
ركضتُ في كلّ اتجاه كي أجيبَ على أسئلتي ، و وجدتُ أخيراً ضالتي ..
القبول .. قبِلتُ أنني أمر بهذهِ المرحلة لهدفٍ ما ، و أوقفت مقاومتها ..
الفهم .. فهمت أنّ ما أمر به هو نداء روحيّ ، و قفزة وعي جديدة في حياتي ، و تغيير مذهل قادم في الطريق ، و صحوة روحية آتيه تحمل معها الكثير من السلام ..
وصَفَ المختصين هذهِ المرحلة بالمخاض ! و اختصروا كلّ الشروحات عنها بهذهِ الكلمة ! المخاض في طبيعتهِ ألَم ، و تشتت و ضياع للتركيز أو الرغبات أو الآمال .. لكنّهُ يُنتِجُ روحاً جديدة للعالم ، و قصة جديدة تُكتب سطورها ..
الاتصال بالله .. أصبحت أتصل بالله بطريقة جديدة علمني إياها ، فسُرّت نفسي ، و هدأت روحي ، و بدأت أشعر بقرب انتهاء المرحلة ..
الكتابة .. لطالما كانت الكتابة طريقاً لأن يعرف الإنسان نفسه ، لا تكتب كلاماً منمقاً ، لن يقرأهُ أحد ، حتى أنت ، لن تعودَ إليه البتة !
مفهوم عظيم اسمهُ التشافي بالكتابة ، وهوَ أن تخصص عشر دقائق بداية كل يوم لإفراغ كل مافي رأسك أياً كان ، تكتب بسرعة و استرسال بدون ترتيب ، حديث عقلك على الورق مباشرة و بكلمات متصلة بلا مسافات ، أي أنك لن ترفع القلم عن الورقة حتى تُنهي الصفحة كاملة ، لينتج لك سطور يستحيل فهمها أو قراءتها ، و أن تكون الكتابة عن نفسك بصيغة الغائب ، بمعنى أن تكتب مثلاً ” فُلان يشعر بالضيق الشديد من مديره المتعجرف لأنه يراكم عليه الأعمال بطريقة غير منطقية …….. ” ، لا تتكلم بصيغة نفسك فتعطي رسالة لدماغك أنك هذا البائس ..
التجريب .. جرّب السباحة ، الغولف ، الرقص ، الرسم ، المونتاج ، صناعة الأفلام ، كرة الطائرة ، ركوب الخيل ، الرماية ، تسلق الجبال أو رحلات الصحاري ، تجمعات التعارف على أصدقاء جدد يهتمون لاهتماماتك ، تقنية الريزن .. و تطول القائمة .
و أخيراً .. وجود شخص مُحِب بقربك يختصر عليك الكثير ، تتشافى معهُ و به .. أن أُرزق بتوأم لروحي في هذهِ المرحلة من حياتي ليسَ مصادفةً أبداً ..
الأصدقاء اللذين يودون قراءة نوع آخر من التدوينات في مدونتي ، آمل أن أكتب لكم قريباً ، بعدَ أن يفرغَ رأسي من الأحاديث في الأعلى ♥ ..
دمتم بحب و سلام ..