عُنق الزجاجة


” الحياة سهلة ، و الإنسان معقد ” ..

هذا رأيي دائماً ، إلاّ أن سيلاً من الأسئلة يأتي بعد هذهِ الفكرة عادةً ! هل فُطِر الإنسان مُعقداً ؟ هل التعقيد صِبغتهُ و بناؤُه ؟ أم أنّ دماغ الإنسان الأول ـ مثلاً ـ كانَ بسيطاً و تطورَ بالتبعية مع اكتشافاته الجديدة للعالم الكبير ؟ هل أدمغتنا أصلاً هي المعقدة ؟ يُفترض أن يكون تعقيدها لتسهيل حياتنا ، فلماذا يحدث العكس الآن ؟ لماذا نغرق نحن في أدمغتنا ؟ كيفَ نعود للخلف قليلاً ؟ بل كثيراً جداً !

عجباً !! صِرنا نستغرقُ كثيراً لإختراع طريقة نفكّك بها السلاسل المتداخلة في أدمغتنا ! فنجبر أنفسنا على الجلوس في صمت و تركيز تام لإيقاف سيل الأفكار المتدفق رغماً عنا ، لينتهي بنا المطاف في دوامة عنيفة نُفكر بها كيف نوقف هذه الدوامة !!

خطَرَت لي فكرة هذه التدوينة للتو ، في هذه اللحظة التي أحزن فيها بكل جوارحي – كعادتي – في إعطاء الأحداث حقها من التواجد .

أتفكر الآن في رحلتي مع الحزن طِوال حياتي ! لم يكن الحزن موجوداً في قاموسي أصلاً حتى العشرين من عمري تقريباً، أتذكر أنني كنت أتساءل دائماً ماهو الحزن ؟ ماهو الهم ؟ كانت بِلا مبالغة كلمات أسمعها حولي ولا أفقه معناها و لم أستطع تفكيك سبب حدوثها للآخرين ! حتى أنني سألت أبي يوماً عن معنى هذا الشعور ! فأجابني أنهُ شعور مُنافٍ لطبيعة الفرد التي يجب أن تكون سمحةً مستمتعةً ، و أنهُ عادةً شعورٌ عارِض ، و ضلَّ محدقاً بي طويلاً في لحظاتٍ صامتة .. فهمتُ معناها لاحقاً ! حينَ لم يعُد هو موجوداً .. تأكدت أنهُ كانَ في تلكَ اللحظة يُصلي ألا أعرِفَ الحزنَ أبداً ، و أن أبقى خضراء مورِقة .

رافَقَني الخجل من التحدث عن حزني فتراتٍ طويلة ، و صادفتُ أناساً كُثُر يتحاشَونَ الحديث عن أحزانهم ، بل ولا يشعرون بالإرتياح في حضرةِ أحدٍ يتحدث عن حزنه ! و فهمتُ بعدَ ذلك أن كلّ هذا ماهُوَ إلاّ آلية دفاعية يبتكرها دماغُنا لحمايتنا من الحزن ! و حررتُ خجلي هذا معَ ريح يومٍ عاصف ، على سفحِ جبلٍ شاهق ، هكذا أتخلى عن أخطائي .. و أنتزِعُ حقي من نفسي في البساطةِ و التعبير عن حزني ..

فقدتُ ثُلةً من أحبابي في عامٍ واحد ، و عرفتُ حينها الحزن لأول مره ، تبدّلَ وجهُ الحياةِ أمامي في ليلةٍ و ضُحاها ، و عِشتُ أياماً لا تُنسى ، خشيتُ في مراتٍ كثيرة أن أفقِدَ ربيع قلبي للأبد ، من شدّة البؤس الذي عايشتهُ حينها !

كنتُ لا أعرف ـ من هولِ الصدمات المتتابعة ـ أن أتحدث عن حزني ! أو أنني لم أتعرّف بعدُ حينها على كلماتٍ تصِفُ ثِقَلَ ما أشعر به .. إذ كانَ ضيفي هذهِ المرّه جديداً جداً ، و لرهافةِ حِسّي و شعوري بضرورة إظهار القوة في ذلك الحين فقد قررتُ استضافته وحدي ، و تعلّمتُ منذ ذلك الحين كيفَ أنكمش على نفسي في لحظات ضعفي ، كيفَ أختبئُ سريعاً قبلَ أن يرى أحدهم شيئاً كانَ في نظري خاصٌ جداً !

استغرقني الأمر أعواماً حتى أُشفى ، حتى أفكك هذا الشعور و أفهمه ، في اللحظة التي قبلتُ فيها الحزن كجزءٍ من إنسانيتي ، رحَلَ و تلاشى ! فهمتُ حينها أنّ الرفضَ تشبث ! مقاومتي الشديدة للحزن فتحت لهُ أبواباً أكثر فيّ ! شعرتُ في مراتٍ كثيرة أن شيئاً مرّ من أمامي بسرعة البرق .. ربما كانَ عُمُري !

لكن ،،

شكراً لعنقِ الزجاجة ، شكراً لكلّ حدث صنعَ مني إنسان اليوم ، شكراً لمئات الدروس التي تعلمتها بالرضا و الإجبار .. شكراً للمنعطفات الحادة ، و الليالي الطويلة ..

لا زلتُ خضراء ، مورِقه ، مبتهجة ، رقيقة القلب عذبة الكلام ، أكثَرَ تحسُساً للجمال في كل شيء ، و رِفقاً بكلّ شيء ، بقلبٍ خفيف و روحٍ شفافة ، أحببتُ الحياةَ في كل مراحلها ، و أحبّها اليوم أضعافاً أكثر .. كلّ يومٍ ذا قيمة ، صفحةٌ بيضاء ، و درسٌ جديد ..


ردان على “عُنق الزجاجة”

أضف تعليق